recent

أحدث القضايا العمالية

recent
جاري التحميل ...

الأنماط الجديدة للعمل ..بين اتفاقيات العمل العربية ودور النقابات العمالية

الأنماط الجديدة للعمل ..بين اتفاقيات العمل العربية ودور النقابات العمالية

 

حاتم قطيش - رنان

20/3/2025


يتجه العالم بتسارع ملفت نحو المستقبل حيث تنعكس التغيرات والتطورات في كافة مناحي الحياة على  حياة الأشخاص والدول؛ فالكيّس من انتبه الى هذه التغيرات ورفع نظره من تحت أقدامه ووجهها الى الأفق القادم ويبادر بالتحرك نحوه بدلاً من التقوقع في نفس المكان وانتظار المستقبل المجهول.


مستقبل العمل والانتقال الآمن


عالم العمل بالتحديد سيشهد تحولات كبيرة وجذرية جعلت المهتمين يصبون اهتمامهم على ما يسمى " مستقبل العمل "، فمع وجود محركات كثيرة تؤثر على أنماط الوظائف في المستقبل فإننا سنجد أنفسنا بعد عدة سنوات - ليست ببعيدة - أمام أنماط عمل مستحدثة لم تكن من قبل وسنتحدث عن بعض أنماط العمل المنقرضة التي ستكون ضرباً من الماضي الذي يتداوله الناس بتندر.. وحنين أحياناً.

الاتجاه الى مستقبل العمل واستحداث أنماط عمل جديدة مقابل اختفاء أنماط عمل أخرى لا يجب أن يبعث على الخوف والقلق من اختفاء الوظائف وازدياد معدلات البطالة لمن أجاد التعامل مع الأمر؛ حيث أن مقابل أنماط العمل المختفية سيظهر أنماط عمل جديدة ومبتكرة ويمكن أن تشكل فرص عمل جديدة وكبيرة للعمال.

ان تكثيف الجهود نحو "انتقال آمن" لمستقبل العمل هو السبيل الأمثل لضمان الاستفادة من هذا الانتقال ولا بد من تكاتف أطراف الانتاج الثلاثة ( الحكومات، أصحاب العمل، العمال) من أجل رسم خارطة طريق لهذا الانتقال الآمن، فالحكومات مطلوب منها مرونة في التشريعات الناظمة لعالم العمل واتخاذ التدابير المناسبة وادماج الأنماط الجديدة للعمل لضبط علاقات العمل وضمان عدالتها، ولا بد أيضاً من تكاتف أصحاب العمل والنقابات العمالية من أجل تطوير مهارات العمال وتدريبيهم ليتمكنوا من نقل مهاراتهم وخبراتهم من أنماط العمل التقليدية الى أنماط العمل المستقبلية، والضغط نحو تطوير تشريعات ضامنة للحقوق العمالية وتوسيع مظلة الحمايات الاجتماعية وضمان عالم عمل آمن.


اتفاقية وتوصية الأنماط الجديدة للعمل


من الجهود الايجابية التي ستشكل نقطة انطلاق نحو تحسين وتجويد التشريعات العربية في عالم العمل وتعزيز الحمايات الاجتماعية والتقليل من معدلات البطالة المتزايدة بشكل متطرد؛ هو ما تمخض عن المؤتمر العام لمنظمة العمل العربية من اقرار للاتفاقية رقم 20 من اتفاقيات العمل العربية والتوصية رقم 10 بشأن " الأنماط الجديدة للعمل ".


على من ستطبق هذه الاتفاقية؟

ستطبق هذه الاتفاقية على علاقات العمل التي تأخذ شكلاً من أشكال العمل مقابل أجر الذي يؤديه العامل لصالح صاحب العمل وتحت إشرافه بغير أنماط العمل التقليدية السائدة في الدولة مثل:" العمل عبر المنصات الرقمية" و" العمل لبعض الوقت أو لوقت جزئي" و "نظام أوقات العمل المرنة" و " العمل عن بعد " و " العمل الحر" .


انعكاسها على التشريعات الوطنية وعلاقات العمل

تضع الدول نهجاً لكيفية شمول الأنماط الجديدة بالتشريعات الوطنية، بالاضافة الى تضمين التشريعات الوطنية لكل دولة تعريفاً محدداً لكل نمط من الأنماط الجديدة للعمل على أن تضمن هذه التشريعات تمتع العاملين بالأنماط الجديدة بنفس المستوى من الحمايات القانونية وظروف العمل التي يتمتع بها العاملون في أنماط العمل التقليدية السائدة دون أي تمييز.

كما يجب وجود عقد عمل محرر يتم توثيقه بين صاحب العمل والعامل مبيناً فيه مدة العمل وكيفية احتسابه وشروط التعاقد والأجر وساعات العمل وفترات الراحة اليومية والأسبوعية وأجر العمل الاضافي والاجازات المرضية والسنوية وحماية الأمومة وانهاء علاقة العمل.


الحماية الاجتماعية

شددت الاتفاقية على وجوب أن يتمتع العاملون بالأنماط الجديدة بالحماية الاجتماعية القانونية المماثلة لتلك التي يتمتع بها العاملون في أنماط العمل التقليدية، وضمان شمول هؤلاء العمال بالتأمين الصحي والرعاية الصحية المناسبة ونظم الضمان الاجتماعي.

ويمكن للدول أن تعتمد في تغطيتها للحمايات الاجتماعية على نسبة ساعات العمل، أو الاشتراكات أو الكسب، كما يمكن اعتماد التنفيذ التدريجي للحماية الاجتماعية وصولا للتغطية الشاملة.


بيئة العمل والحقوق العمالية

أوجبت الاتفاقية على الدول وضع التشريعات والتدابير التي توفر بيئة عمل آمنة للعاملين في الأنماط الجديدة، كما يتوجب احترام وتعزيز حق العاملين بالأنماط الجديدة دون تمييز في التنظيم والمفاوضة الجماعية وتكوين منظمات يختارونها والانضمام اليها والانسحاب منها، وتمتعهم بحماية كافية من كل عمل ينطوي على تمييز في مجال العمل بسبب انتمائهم النقابي، وتشجيع وتطوير استخدام التفاوض الجماعي 

وفيما يتعلق بالأجور يجب اتخاذ قواعد تشريعية تنظم أجور العاملين في الأنماط الجديدة على أن تكون بنفس مستوى أجور العاملين في الأنماط التقليدية، بالاضافة على تسهيل سبل التأهيل والتدريب المهني، وضرورة التشجيع على تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة والاستخدام والمهنة، بما في ذلك حظر التمييز بين العمال من الجنسين والأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص ذوي المسؤوليات العائلية.


تفتيش العمل 

على الدول أن تضع في تشريعاتها أحكاماً تقضي بشمول العاملين في الأنماط الجديدة للعمل بنظام تفتيش العمل والحماية المتعلقة بظروف وشروط السلامة في أماكن العمل، وآليات تظلم فعالة إدارية وقضائية، وعقوبات على مخالفة أحكامها.


دور النقابات العمالية 


يجب على النقابات العمالية أن تتلقف اتفاقية العمل العربية رقم 20 والتوصية رقم 10 بشأن الأنماط الجديدة في العمل بجدية واهتمام بالغين وعقد المؤتمرات الداخلية واطلاق الحوارات الاجتماعية من أجل نهضة جديدة في الأنظمة الداخلية و طريقة عمل هذه النقابات ومدى جاهزيتها للتعامل مع أنماط العمل الجديدة والتحقق من جاهزية العمال للانتقال الآمن نحو مستقبل العمل والانتقال الى أنماط العمل الجديدة، والتحقق أيضاً من مدى جاهزية النقابيين أنفسهم للتعامل مع الأنماط الجديدة للعمل .

انطلاقاً من كون التحدي الأزلي للنقابات العمالية يتمثل بانتساب العمال لها ومع دخول أنماط العمل الجديدة يجب أن يتم ابتكار وسائل وأدوات جديدة لتوسيع مظلة التنظيم النقابي ومضاعفة أعداد العمال المنتظمين؛ بل وتعديل الأنظمة الداخلية للنقابات من أجل استقطاب هؤلاء العمال والوصول لهم وتنظيمهم وتأهيلهم فنياً ونقابياً.

ولا بد للنقابات من اعادة النظر بشكل مرن وشفاف بأساليب اجراء الانتخابات النقابية وشروط الترشح لها والاعلان عنها وشروط انشاء والانتساب لهذه النقابات لتتمكن من استيعاب واستقطاب العاملين في الأنماط الجديدة ولتواكب التطور الكبير في الأتمتة في عالم العمل.

وفيما يتعلق بتحسين وتجويد التشريعات الوطنية؛ فإن اتفاقية وتوصية " الأنماط الجديدة للعمل" تعتبر اضافة نوعية وورقة ضاغطة بيد النقابات العمالية من أجل السعي والضغط والعمل مع الشركاء الاجتماعيين وشركاء الانتاج من خلال حوار اجتماعي حقيقي وفعال لتحسين وتجويد التشريعات الناظمة لعالم العمل والحمايات الاجتماعية ليشمل العاملين في الأنماط الجديدة.

كما يجب على النقابات توسيع دائرة المفاوضة الجماعية وأساليبها وأدواتها والمنخرطين بها لضمان شمول العاملين في الأنماط الجديدة، كما يمكن لها العمل لاستقطاب وادماج العاملين في الاقتصاد غير المنظم وشمولهم في الحمايات الاجتماعية والتكوينات النقابية.

يقع على عاتق النقابات العمالية العبء الأكبر في الانتقال الآمن لمستقبل العمل لضمان محافظة العمال على وظائفهم وانتقالهم من الأنماط التقليدية الى الأنماط الجديدة للعمل وشمولهم بتشريعات عالم العمل والحمايات الاجتماعية وحق التنظيم النقابي. كل ذلك يعتمد على جدية وصدق وديناميكية القادة النقابيين ومدى انتمائهم للطبقة العمالية وتفاعلهم مع قضاياهم خاصة المستقبلية منها.



إرسال تعليق

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

رنان

2020